UAB Magazine Issue October 2026

79 مقالات ) 2026 إتحاد المصارف العربية (تشرين الأول / أكتوبر ) إن الحديث عن الحوكمة المؤسسية في المصارف لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تشكيل مجلس الإدارة أو إنشاء اللجان الرقابية، فالحوكمة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير؛ إنها منظومة متكاملة تقوم على إستقلال القرار، ووضوح المسؤوليات، وتوازن المصالح، وحماية أموال المودعين، وتعزيز سلامة المصرف وإستدامته. وتبرز أهمية الحوكمة بصورة أكبر عندما تتقاطع ملكية الأسهم مع ً عضوية مجلس الإدارة؛ فملكية رأس المال تمنح صاحبها حقوقا ل إلى نفوذ يطغى على إستقلال ّ مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تتحو القرار المصرفي. وهنا تظهر الحاجة إلى ضوابط واضحة لإدارة تضارب المصالح، وترسيخ المساءلة، وضمان أن يكون القرار لمصلحة المصرف، لا لمصلحة فئة أو طرف بعينه. ً فعضو مجلس الإدارة لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه بوصفه ممثلا على مصالح المصرف ً لمساهم بعينه فقط، وإنما بوصفه أمينا عن سلامة رأس المال، وحماية أموال المودعين، ً ككل؛ مسؤولا وإدارة المخاطر، وتعزيز الإستدامة، ومراقبة أداء الإدارة التنفيذية وفق مبادئ المسؤولية المهنية والإئتمانية. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمجلس الإدارة: ، وأن يقول «لا» ً أن يقول «نعم» عندما يكون القرار صحيحا عندما تقتضي المصلحة المصرفية ذلك؛ حتى لو كان القرار لا ينسجم مع رغبة مساهم كبير أو توجه الإدارة التنفيذية. في الحوكمة، بل قد ً فالإختلاف داخل مجلس الإدارة ليس ضعفا يستند إلى ً مهنيا ً يكون أحد أهم مظاهرها؛ عندما يكون إختلافا المعرفة والبيانات والمصلحة المؤسسية، ويهدف إلى الوصول إلى . ً القرار الأكثر إتزانا في ذاته، ً كما أن وجود المساهمين في مجلس الإدارة ليس إشكالا وإنما تكمن المسألة في كيفية إدارة العلاقة بين الملكية والسلطة ل إلى هيمنة؛ ّ والرقابة. فالملكية حق، لكنها لا ينبغي أن تتحو ؛ والرقابة ليست ً وعضوية مجلس الإدارة مسؤولية، وليست إمتيازا خصومة مع الإدارة، وإنما ضمانة لسلامة القرار. مكن النظر إلى الربحية والسيولة ُ وفي العمل المصرفي، لا ي منها بمعزل عن الآخر. فالربحية المرتفعة التي ٌّ والمخاطر، كل تتحقق على حساب السيولة قد تحمل مخاطر مستقبلية، كما أن ر في العائد وكفاءة ّ السيولة المفرطة غير الموظفة بكفاءة قد تؤث إستخدام الموارد. ومن هنا، فإن الدور الحقيقي والفاعل لمجلس الإدارة هو صناعة المعادلة المصرفية المتوازنة بين العائد والمخاطر والسيولة، ل السعي وراء الربح قصير الأجل إلى عبء على ّ بحيث لا يتحو الاستقرار المصرفي طويل الأجل. نحو حوكمة مصرفية ناضجة إن الحوكمة المصرفية الناضجة هي التي تجعل من مجلس الإدارة د إطار تمثيلي للمساهمين؛ وتجعل من ّ ، لا مجر ً مستقلا ً رقابيا ً عقلا صة أدوات حقيقية للفحص والمساءلة؛ وتجعل من ّ اللجان المتخص عن الرقابة. ً في صناعة النجاح، لا بديلا ً الإدارة التنفيذية شريكا مكن إختصار فلسفة الحوكمة المصرفية في ثلاثة أبعاد: ُ لذلك ي وهي الملكية حق… وليست هيمنة، وعضوية مجلس الإدارة ، والإختلاف المهني… حماية للقرار ً مسؤولية… وليست إمتيازا له. ً وليس إضعافا ق أعلى ّ فالمصرف القوي ليس بالضرورة المصرف الذي يحق ربح، ولا المصرف الذي يحتفظ بأعلى مستوى من السيولة، وإنما المصرف الذي يستطيع، من خلال حوكمة رشيدة ومجلس إدارة كفوء ومستقل، أن يصنع التوازن المستدام بين الربحية والسيولة والمخاطر وحقوق المساهمين وحماية أموال المودعين. ى الحوكمة الحقيقية: ّ وهنا تتجل أن يكون القرار المصرفي أقوى من النفوذ، وأن تكون المسؤولية أقوى من الملكية، وأن تكون مصلحة المصرف وإستدامته فوق المصالح الفردية. أ. د. صادق راشد الشمري إستشاري وخبير مالي دولي عضو لجنة تحكيم الجائزة العربية للتمويل الإسلامي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTMxNjY0Ng==