Magazine Issue 543 February 2026
53 موضوع الغلاف ) 2026 إتحاد المصارف العربية شبـاط / فبراير U NION O F A RAB B ANKS February 2026) من القدرة على ّ العلاقات المصرفية العابرة للحدود، أو حتى الحد تنفيذ المعاملات الدولية بكفاءة. يات تبرز ظاهرة تقليص علاقات البنوك ّ مة هذه التحد ّ وفي مقد ، حيث تميل المصارف العالمية إلى ) De-risking ( المراسلة ف ضمن بيئات المخاطر ّ صن ُ من تعاملها مع الأسواق التي ت ّ الحد المرتفعة. فبحسب صندوق النقد الدولي، شهدت بعض المناطق في عدد علاقات المراسلة خلال العقد ً ملحوظا ً النامية تراجعا بات الإمتثال وإرتفاع كلفته، مما إنعكس ّ د متطل ُّ الأخير نتيجة تشد على كفاءة التحويلات المالية والتجارة الخارجية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الإقتصادات التي تعتمد على التدفقات المالية من الخارج، إذ قد يؤدي فقدان قنوات المراسلة إلى زيادة الاعتماد على مسارات تحويل أعلى تكلفة وأقل شفافية. ً يا ّ كما يشكل تباين الأطر التنظيمية بين الدول العربية تحد ، إذ تختلف درجات التوافق مع المعايير الدولية من سوق ً إضافيا إلى أخرى، سواء من حيث سرعة تحديث التشريعات أو مستوى التطبيق الرقابي. ووفق تقارير مجموعة العمل المالي، لا تزال الية لأنظمة مكافحة غسل ّ بعض الدول بحاجة إلى تعزيز الفع الأموال وتمويل الإرهاب، والإنتقال من الإمتثال القائم على ب ّ ل يتطل ُّ القواعد إلى الإمتثال القائم على المخاطر، وهو تحو ً يات الجوهرية أيضا ّ إستثمارات مؤسسية وبشرية كبيرة. ومن التحد ً إرتفاع التكلفة الإقتصادية للإمتثال، والتي أصبحت تمثل عبئا على الربحية، لا سيما لدى المصارف متوسطة الحجم. ً متزايدا بات التنظيمية ّ ى تصاعد المتطل ّ فبحسب بنك التسويات الدولية، أد بعد الأزمة المالية العالمية إلى زيادة النفقات التشغيلية المرتبطة بالمخاطر والإمتثال، مقابل تراجع نسبي في هوامش الربحية لدى العديد من البنوك الدولية. ويشير هذا الإتجاه إلى أن المصارف لم تعد تتعامل مع الإمتثال بوصفه تكلفة مؤقتة، بل كإستثمار طويل الأجل في الإستقرار المؤسسي. وضمن هذا السياق، تبرز فجوات البيانات وصعوبة تحديد في ً المستفيد الحقيقي كأحد مصادر المخاطر المتنامية، خصوصا دة لبعض الشركات العابرة للحدود. ّ ظل الهياكل المؤسسية المعق في ً محوريا ً عد تعزيز شفافية الملكية الفعلية للشركات عنصرا ُ وي من التدفقات المالية غير المشروعة، إلا أن تطبيق هذه ّ الحد بين الدول، ما يزيد من الأعباء الواقعة ً المتطلبات لا يزال متفاوتا على المصارف في عمليات التحقق والتدقيق. ع أنظمة ُّ مكن إغفال تأثير التوترات الجيوسياسية وتوس ُ ولا ي العقوبات، والتي تفرض على المصارف تحديث أنظمة الفحص رات السريعة في قوائم العقوبات ُّ والرقابة بصورة شبه مستمرة. فالتغي ترفع مستوى المخاطر التشغيلية، وتزيد إحتمالات الوقوع في عند التعامل مع شبكات ً مخالفات غير مقصودة، خصوصا دة. وقد دفع هذا الواقع العديد من المصارف إلى ّ تجارية معق ب المخاطر ُّ في إدارة علاقاتها الدولية لتجن ً ي نهج أكثر تحفظا ّ تبن القانونية. يات ّ ل الرقمي تحد ُّ إلى جانب ذلك، يفرض التسارع في التحو ساهم في تحسين الكفاءة وتوسيع قاعدة ُ مزدوجة، فمن جهة ي العملاء، ومن جهة أخرى يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الجرائم المالية. وتشير تقديرات المنتدى الإقتصادي العالمي إلى أن الجرائم السيبرانية باتت من أبرز المخاطر العالمية من حيث التأثير والإحتمالية، ما يجعل دمج الأمن السيبراني ضمن إطار الإمتثال يات ّ . وتكشف هذه التحد ً تقنيا ً ضرورة إستراتيجية وليس خيارا مكن إحتواؤها ُ مجتمعة أن الإمتثال الدولي لم يعد مسألة إجرائية ي لقدرة المصارف ً عبر تحديث السياسات فقط، بل أصبح إختبارا العربية على إعادة مواءمة نماذج أعمالها مع بيئة مالية عالمية تتسم بارتفاع الحساسية للمخاطر. وعليه، فإن تعزيز التكامل التنظيمي والإستثمار في التكنولوجيا الرقابية وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على إدارة المخاطر، تمثل جميعها عناصر حاسمة لضمان بات إلى ّ إنتقال المصارف العربية من موقع الإستجابة للمتطل ز قدرتها ّ عز ُ موقع الجاهزية الإستباقية، بما يدعم إستقرارها وي التنافسية في المدى الطويل. إستراتيجيات تعزيز الإمتثال الدولي في المصارف العربية: نحو حلول مستدامة وجذرية في ظل البيئة التنظيمية العالمية المتسارعة، لم يعد تعزيز الإمتثال ، بل ضرورة إستراتيجية ترتبط مباشرة بإستمرارية ً تطويريا ً خيارا المصارف العربية وقدرتها على المنافسة الدولية. فالتجارب في إدارة ً المصرفية الحديثة تشير إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحا مخاطر الإمتثال هي تلك التي إنتقلت من نهج الإستجابة التنظيمية ي إصلاحات هيكلية تعالج ّ إلى نهج الجاهزية الإستباقية، عبر تبن . ً جذور المخاطر بدل الإكتفاء بإحتوائها مرحليا تتمثل الخطوة الأولى في ترسيخ حوكمة إمتثال متقدمة تنطلق من ل الإمتثال إلى مسؤولية استراتيجية ّ أعلى الهرم المؤسسي، بحيث يتحو د وظيفة رقابية ّ يشرف عليها مجلس الإدارة بشكل مباشر، لا مجر الية إدارة ّ تشغيلية. وقد أظهرت مراجعات بنك التسويات الدولية أن فع
Made with FlippingBook
RkJQdWJsaXNoZXIy MTMxNjY0Ng==